على خطى ديكارت | ماهر دعبول

 


تخيل نفسك في غرفة مظلمة، لا ضوء فيها، وحولك الكثير من الأشياء والأمور التي لا تراها، فقط يمكنك التماسها.

أنت لا تدري كم تمتد الغرفة حولك ولا إذا كانت مربعة أم مستطيلة أو دائرية!

ولا تعلم ماذا يوجد معك فيها ولا حتى من قادك إليها، ولا تعرف أيضاً من بناها؟


فكيف تصل إلى الحقيقة؟

وكيف تدرك الماهيات والأسباب وفيزيائيةِ المكان؟

كذلك هو هذا العالم المليء بالغموض والتي تعجز حواسنا عن إدراك أسراره.

وأنت في هذه الغرفة سمعت منادياً يقول:

_ أنت في غرفة مربعة.


أنت الآن أمام خيارين إما أن تسلم بأن الغرفة مربعة..

أو أن تشكك بهذه المعلومة وتبحث عن اليقين.


الشك الذي نتحدث عنه هو الشك الدافع نحو اليقين وليس الشك بهدف التشكيك وحسب.

فحين يخالجك ذاك الشعور أن الغرفة قد تكون مربعة وقد لا تكون.


عليك البدء..


استخدم عقلك، وحدد كيفية البحث، فكر هل يمكن أن أثبت نقيض الفرضية الأولى ؟

فلو أثبتنا أو برهنا على وجود ما ينقض أن الغرفة مربعة  بطلت المعلومة بأكملها.


المربع هو مضلّعٌ منتظمٌ؛ إذ إنّ أطوال جميع أضلاعه الأربعة متساوية ومتوازية وكل ضلعٍ عمودي على الضّلع الآخر، وقياس زواياه الأربعة متساوية فكلّ واحدةٍ تُشكل زاويةً قائمةً قياسها 90°.


فمثلا لو قمنا والتمسنا جدران الغرفة ولم نجد فيها زاوية أو وجدنا فيها ثلاث زوايا فقط أو وجدنا أنا أحد أضلع أكبر من الأخر، هنا تسقط فرضية مربعية الغرفة ونحاول باستخدم المعلومات الأولية وعن طريق المزيد من البحث الاستدلال تحديد شكل الغرفة.


الحقيقة تحتاج منك أن تنهض وتبحث كي تصل إليها وأن تفتح أبواب فكرك نحو الشك والنقد بمنهجية صحيحة يقومها العقل والمنطق.


فعليك أن تخطو نحو الحقيقة بنقدية ذكية، كما فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام حين شكك بالأصنام التي كانت في مجتمعه من المسلمات حتى وصل بعد شوطاً من الفكر لليقين بالحقيقة الوجودية الكبرى.


وننتقل إلى أحد أهم الشخصيات في العالم الذين رفضوا التسليم بمربعية الغرفة.

هو أب الفلسفة الشكية، الفيلسوف الفرنسي والرياضي والفيزيائي رينيه ديكارت.


على هامش المقال نود القول إننا في الفلسفة لا نبحث عن التسليم بفرضيات الفلاسفة إنما نستفيد من مناهج بحثهم وما وصلوا إليه لنعيد بجدية تدوير عجلة البحث لتمحيص كل النتاج المعرفي الفلسفي.

يعتقد ديكارت أن العقل ذو طبيعة واحدة عند الجميع والفلسفة عنده هي إخضاع إدراك الوجود لأولوية الكائن المفكر.

ويقول ديكارت:

(لا يكفي أن يكون العقل سليماً بل الأهم من ذلك هو أن نستعمله استعمالاً جيداً).


ويمتاز المنهج الديكارتي بأهمية العقل، الذي يمعن العقل في كل جزل ويطور المناهج النقدية للوصول لليقين في العلوم الطبيعية وفي الميتافيزيقا. *

وقد عبر عن ذلك في قوله: ( إني لا أستطيع أن أجعل أناساً يرون ما بداخل مكتبتي في حين يرفضون الدخول إليها والنظر إلى مافيها).


المنهج الديكارتي:


وضع ديكارت عدة أسس لمنهجه خلال رحلة الوصول للمعرفة:

أولاً: البداهة والتخلص من القيود:

إن أول المراحل خلال عملية الوصول للحقيقة هي التخلص كل الأفكار المسبقة التي قد تؤثر على مسار البحث.

ثانياً: التحليل والتقسيم:

وهو أن أقسم كل مشكلة أبحثها إلى أكثر ما يمكن من الأجزاء ليتسنى لنا حلها بصورة أفضل.

ثالثاً: التركيب:

هو أن أضع نظاماً في التفكير، فأبدأ بالأمور الأكثر بساطة والأقرب منالاً حتى أرتقي شيئاً فشيئاً وعلى سبيل التدرج إلى الأمور الأكثر تعقيداً.

يقول ديكارت:

(إن إدراك بعض الأمور مرهون بإدراك بعضها الآخر).


رابعاً: المراجعة والإحصاء:

يجب مراجعة المسلمات والمعارف والمعلومات التي تم الوصول إليها وتمحيصها حتى نصل لمرحلة اليقين.

هذا هو المنهج الديكارتي الذي يساعدنا في حياتنا الشخصية وحين نقرأ كتاب ما وحين نتسأل أسئلة ميتافيزيقية وفي المجالات العلمية المختلفة.



الشك والفكر الديكارتي:


 ويقول ديكارت:

 ‏( الفحص عن جميع الحقائق التي يقدر عليها العقل البشري، هو فحص يجب أن يقوم به ولو لمرة واحدة في العمر جميع أولئك الذين يكونون جادين في تطبيق مبادئ العقل).


وكان ديكارت يميز بين نوعين من الشك، شك يهدف ويعمل بشكل جاد للوصول للحقيقة واليقين.

وشك يهدف فقط للتشكيك دون الأخذ بأسباب المعارف.

وكان ديكارت يكره الشك الذي يُحتفظ به من غير جدوى، فالحقيقة هي مالا يقبل الشك.

و(محاولة التغلب على جميع المصاعب والأخطاء التي تحول بيننا وبين الحقيقة هي إقدام على معارك الحقيقة).


وقد شك ديكارت في كل شيء حوله وانطلق من أول المسلمات وأكثرها بداهة وهي وجوده الشخصي.

حيث شك بوجوده، والشيء الوحيد الذي كان متوقنناً منه هو أنه يشك ويفكر وأثبت وجوده عن طريق ثبوت عمليات التفكير الخاصة به.

وهو القائل:

(أنا أفكر، أنا موجود).


وقد إعتمد منهجه الشكي وانطلق من أكثر الأمور بساطة نحو أكثرها تعقيداً.

كما برهن ومحص في الوجوديات والقضايا الميتافيزيقية ووضع ديكارت أدلة على وجود خالق لهذا الكون، أدلة منطقية وفكرية وكان أهمها:


فكرة الكمال:

يرى ديكارت أن داخله وداخل كل عقل انساني يوجد مفهوم عن الكمال وهو يرى أن الكمال فكرة غريزية فينا  وأن الإنسان ليس مصدر هذه الفكرة لأن كماله ناقص وهو غير كامل لذلك فالإنسان ليس مصدر هذه الفكرة، ولم يدركها أو يراها في أحد من أبناء جنسه أو في الطبيعة حوله.

لذلك هناك فاعل قام بوضع فكرة الكمال فينا وهو الخالق.


ديكارت واحد من أهم الشخصيات في العالم الذي كان منهجه مدرسة اتبعه الكثير من الفلاسفة الذي بنوا نظرياتهم وأفكارهم على منهاجه ومؤلفاته.


فهل نأخذ من ناره قبس؟



بقلم: ماهر دعبول

..............


هامش:


*ميتافيزيقا: ماوراء الطبيعية , أو الغيبيات

*رينيه ديكارت René Descartes (و. 31 مارس 1596 - ت. 11 فبراير 1650)

 يعرف أيضا بكارتيسيوسCartesius فيلسوف فرنسي ورياضياتي

 ‏ وعالم يعتبر من مؤسسي الفلسفة الحديثة ومؤسس الرياضيات الحديثة.


 ‏يعتبر أهم وأغزر العلماء نتاجا في العصور الحديثة. الكثير من الأفكار والفلسفات الغربية اللاحقة هي نتاج وتفاعل مع كتاباته التي درّست وتدرّس من أيامه إلى أيامنا. لذلك يعتبر ديكارت احد المفكرين الأساسيين وأحد مفاتيح فهمنا للثورة العلمية والحضارة الحديثة في وقتنا هذا.

 ‏

 ‏يمجد اسمه بذكره في ما يدعى هندسة ديكارتية التي يتم بها دراسة الأشكال الهندسية ضمن نظام إحداثيات ديكارتي ضمن نطاق الهندسة المستوية التي تدمجها مع الجبر.



................


المصادر:


١. تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، رينيه ديكارت، ترجمة كمال الحاج (بيروت: منشورات العويدات دار فضول، 1961).


٢. ديكارت و العقلانية، جنفياف روديس لويس، ترجمة عبده الحلو (بيروت: منشورات عويدات، الطبعة الرابعة، 1988).


٣. أطلس الفلسفة، بيتر كونزمان فرانز _ بيتر كارد، فرانز فيدمان، ترجمة: د. جورج كتورة (المكتبة الشرقية، بيروت ٢٠٠٧)

إرسال تعليق

أحدث أقدم