لم تكن إدلب مكاناً عابراً، بل كانت مساحة عابرة للقلوب. تتكئ إدلب على شرفة التاريخ، ممتدة إلى مدينة إيبلا وحضارتها، وتمسك الماضي بيدٍ والحاضر بيدٍ أخرى. المدن لا تُعرف بالمباني والعمارة وحسب، بل تُعرف بالأرواح، وروح المدن سكانها، ولإدلب روح خضراء: زيتونها، خضرتها، وتفاصيلها، وقلوب سكانها جميعهم انعكاس لخضرة ما.
وإدلب دُرّة تناثرت، فمعرة النعمان وجبل حارم وجسر الشغور ودركوش وخان شيخون وجبل الزاوية وقرى ومدن كثيرة تشكل في جمالها إدلب.
عند دخول إدلب من أي الأطراف ستتسلل إلى قلبك طمأنينة ما، ستشعر وكأن المكان يرحب بك، وكأن الزيتون يقول بخضاره الدائم: أهلاً بك في وطن الجميع.
تُعرف إدلب بناسها "الأدالبة" الذين يجمعهم كرمهم وشهامتهم، ويعمل معظم سكانها في الزراعة، ويحب أهلها الشعر والأدب حتى يكاد أن يولد الإدلبي شاعراً.
جبالها الخضراء وسهولها الممتدة وزيتونها الأصيل، والعاصي الذي يسير لطيفاً بين مدنها وبلداتها، جمال إدلب وطبيعتها هو أحد أسرارها.
تركت إدلب في قلوب السوريين بصمة لا تزول، ونصّبت نفسها أماً لكل الباحثين عن الأمل والحرية، وفتحت أبوابها لكل السوريين، فكانت مساحة للجميع.
هُمّشت هذه المدينة طويلاً، وحاول نظام الأسد الأب والابن إقصاءها بشكل ممنهج وحرمانها من التنمية والحقوق، إلا أن لإدلب دائماً رأياً آخر؛ فكانت إدلب في طليعة كل ثورة وتمرد ضد عائلة الأسد منذ تسلّمهم السلطة، وشارك أبناؤها في أحداث 1982م، وكانت إدلب وريفها في مقدمة المنضمين لتظاهرات الثورة السورية في 2011.
وخلال سنوات الثورة السورية كانت لإدلب قصة طويلة، فقد كانت مساحة التغيير، تغيير النفوس أولاً. فيها عاش السوريون معاً، وتكونت الصداقات وتآخت النفوس؛ فالشامي أصبح أخاً للحلبي، والحموي أصبح أخاً للحمصي، وتواضعت النفوس، واتسعت إدلب بمساحتها الضيقة لكل السوريين.
ربما تضيق الخيمة، وربما يضيق بيت، لكن قلب إدلب اتسع لنا جميعاً.
واليوم تُترك إدلب وحيدة: خياماً يعصفها الهواء، وبيوتاً يهزها البرد، ومقاعد بلا تلاميذ، ومعلّم يبحث عن أمل، وشوارع محفّرة، وقرى مهدّمة، ومدن بلا سقف.
تلك المساحة الواسعة لسنين تضيق اليوم بناسها، تضيق حقاً بكل ما فيها، وتعود إدلب كما كانت: مدينة منسية.
حتى سكانها عادوا للهجرة القسرية من الريف إلى المدينة بحثاً عن فرص العمل والحياة الأفضل، فتمشي في شوارعها الحزينة تفتقد من اعتدتهم ومن كانوا ها هنا يوماً.
فهل تُترك إدلب للنسيان مرة أخرى؟
وما مستقبلها؟
وهل تُترك الأمهات في إدلب يبكين أبناءهن شهداء في المعارك أو مهاجرين في دروب الحياة؟ فالمدينة التي اتسعت لكل السوريين لم تعد تتسع لأبنائها.
بقلم: ماهر دعبول
