تأملات: مكونات الشخصية الإنسانية

 


تأملات:  مكونات الشخصية الإنسانية 

إن المعاناة التي تصيبنا في حياتنا ليست عابرة، إننا نعيش داخل دائرة من الألم تبدأ في اليوم الأول من ولادتنا وتستمر حتى رحيلنا عن هذه الحياة وإننا نواجه المصاعب والمآزق والضغوط والأحزان بشكل مستمر، سواء كنت قوياً أم ضعيف، غنياً أم فقير، مريضاً أم سليماً، جميلاً أم قبيحاً، ستعاني وتواجهك الأحزان والأسقام بين حين وحين وكما قال أبو البقاء الرندي:

 لكل شيء إذا ما تم نقصان............. فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول ...............من سره زمن ساءته أزمان

أولاً: عالم يعج بالفوضى والإنسان عبد للتكنولوجيا:

وهذا حالنا في هذه الحياة نتقلب بين حال وحال وتتقلب قلوبنا ونفوسنا أيضاً من حال لحال وكما أننا اليوم نعيش في عصر مختلف لم يألفه قبلنا أجدادنا ولم نألفه نحن بعد، عصر جديد بكل ما فيه من تقدم علمي وتغييرات كبيرة على كل الأصعدة.

تكنولوجيا غيرت واقعنا وشاشات تحاصرنا ومتطلبات جديدة لهذا العالم الذي يدفعنا للركض باستمرار، نلهث خلف أمور كثيرة لم تكن يوماً أولوية للإنسان.

نحن نبحث اليوم عن لباس نباهي به الناس ربما من علامة تجارية فاخرة وعن طعام متنوع وعن تسوق وعمل وفي النهاية وبعد كل هذا السعي نكتشف أننا نبحث عن " العدم

إننا نسينا وفي ظل هذا البحث العبثي المرهق أن نبحث عن أهم ما نملك، أن نبحث عن ذواتنا.

نسينا أن نفكر في وجودنا وذواتنا وصحتنا وصحة قلوبنا، مرهقون، ولكننا مجبرون على الاستمرار دون هدف حقيقي وجوهري، فعلينا أن نتوقف قليلاً لنفكر هل فعلاً نحن على الطريق الصحيح؟


ثانياً: علينا أن نتعرف على ذواتنا وعلى أنفسنا وعلى قلوبنا.

البعض يظن أنه يعرف نفسه جيداً ولكن لو فكر أحدنا قليلاً لوجد أنه لا يعرف إلا القليل ووجد نفسه أسفل الجبل وذاته في القمة لا يدركها ولا يعرفها.

الله خلق هذا الكون بكل ما فيه من كواكب وأجرام ومجرات وقد وضع النظام الذي يقوم عليه عالمنا، دوران الكواكب وتعاقب الليل والنهار وكل ما هو متصل بالعالم بصورته الفيزيائية حولنا وكما أنه خلق الإنسان منذ خلق آدم عليه السلام وإن الإنسان وليد سلسلة متصلة من النسب من لحظة خلق آدم في السماء إلى نزوله الأرض إلى يومنا هذا.

فكلنا من آدم وهذا يقودنا إلى استنتاجات عديدة، أهمها كما أن الحياة العضوية للإنسان لم تتغير بشكل جوهري من آدم إلى يومنا هذا فأجهزة القلب والعضلات والعظام وباقي الأجهزة العضوية لم تتغير من آدم وحتى اليوم والاستنتاج الثاني ينطبق على الحياة النفسية عند الإنسان فالإنسان له قلب وعقل ونفس ولم يتغير ذلك على مر العصور.

 

ومن هنا نبدأ، من هنا تبدأ أولى خطواتنا للفهم والمعرفة والعلاج.

ثالثاً: مكونات الشخصية الإنسانية

لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وصنعه على أحسن صورة وجعله خليفته في الأرض وإن أفعال الإنسان وسلوكه وخيره وشره وطاعته ومعصيته، وكل ما يصدر عنه يعود لعدة مكونات تتفاعل فيما بينها وإن هذا التفاعل المعقد يعود للمكونات التالية:

1. الجسد:

 لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وجعل له نظام عضوي فريداً، فخلق العظام والعضلات والأعصاب والجلد وباقي الأجهزة وكل يقوم بمهمته التي وجد لأجلها فجميع الأجهزة العضوية تعمل لهدف واحد وهو صحة الإنسان وإن هذا الجسد إذا اختل عضو فيها تأثر باقي الأعضاء بالمرض والسقم.

«وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» [المؤمنون: ١٢-١٤]

 .2 النفس:

إن النفس جوهر الحياة النفسية للإنسان وهي التي مركز اتخاذ القرارات والأفكار وتختار بين الشر والخير وهي التي لها حالات عديدة وهي التي تعبر عن هوية الإنسان وكينونته النفسية والشخصية الحقيقية وأيضاً تؤثر النفس في القلب والعقل وقد ذكرت كثيرا في القرآن الكريم.

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. [الشمس: 7-10]

النفس: هي الكيان الداخلي للإنسان الذي يضم منظومة قراراته وأفكاره ودوافعه، ويُقاس وجودها ووظيفتها من خلال مخرجات سلوكية ومعرفية وانفعالية يمكن ملاحظتها أو قياسها.

 .3القلب:

مركز الحكم والمشاعر وهو الذي تفضي إليه جميع العمليات المعرفية القادمة من العقل والتي تفضي فيما بعد إلى الحكم على القضايا، والتفسير، والفهم، والتأويل، والمشاعر.

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الفتح: 4)

 .4العقل: 

العقل هو مجموعة من العمليات المعرفية التي تتضمن الإدراك والانتباه والتذكر والتحليل وباقي العمليات المعرفية وهو ليس شيء بحد ذاته إنما هو عبارة عمليات معرفية مركزها الدماغ والجهاز العصبي.

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (سورة الحج: 46)

 

نعود إلى نقطة البداية: أنفسنا التي أهملناها، وقلوبنا التي غفلنا عنها. لقد سردنا في سراب الماديات والاستهلاك، نركض خلف سراب لا حقيقة له، متناسين أن السعادة الحقيقية لا تكمن في علامة تجارية أو وجبة فاخرة، بل في معرفة الذات وفهم جوهر وجودنا.

فلنتوقف قليلاً عن ذلك الركض المحموم، ولنتأمل: من نكون حقاً؟ وما حال قلوبنا؟ وإلى أين نصير؟ لعلنا عندها نكتشف أن الطريق إلى الطمأنينة يبدأ بخطوة واحدة صادقة نحو الداخل، نحو الذات التي طالما انتظرتنا. وإن خير ما نختتم به قول الحق سبحانه: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}،  ففي هذه الإبصار ما يضيء لنا دروبنا المظلمة.


هذه المقالة هي الأولى في سلسلة مقالات تأملية في النفس الإنسانية والشخصية الإنسانية...

 

يتبع...

 

بقلم: ماهر دعبول


إرسال تعليق

أحدث أقدم